قادة العالم يتوافدون إلى بالي عشية «قمة العشرين»

محليات
قبل أسبوعين I الأخبار I محليات

عندما تسلمت إندونيسيا رئاسة «مجموعة العشرين» خلفاً لإيطاليا في ديسمبر (كانون الأول) 2021، كان تصوّر رئيسها جوكو ويدودو لأولويات بلاده واضحاً؛ تعزيز التعافي العالمي بعد الجائحة والدفع بنمو اقتصادي متكافئ بين الدول المتقدمة والنامية. لم يكن اندلاع أسوأ صراع مسلّح في أوروبا منذ نصف قرن في حسبان ويدودو، ولم يتوقّع أن تتحول رئاسة بلاده لأهم نادٍ اقتصادي في العالم إلى لعبة توازنات هشة. ورغم حجم التحدي، لم تمنع حرب أوكرانيا الرئيس، الملقّب في إندونيسيا بـ«جوكوي»، من اغتنام فرصة الدفع ببلاده إلى قلب الساحة الدولية. ووفاءً بتاريخ طويل من عدم الانحياز، التزم ويدودو الحياد الاستراتيجي رغم الضغوط. فرفض دعوات غربية باستبعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما حرص على مشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وإن لم تكن بلاده عضواً في «العشرين». بيد أن جهود ويدودو لم تأتِ بثمارها، وقرر سيد الكرملين التغيب عن أعمال القمة التي تنطلق الثلاثاء في بالي، لينوب عنه وزير الخارجية سيرغي لافروف. في المقابل، نجح الرئيس الإندونيسي في إقناع نظيره الصيني شي جينبينغ بأهمية حضور القمة رغم تدهور العلاقات مع واشنطن إلى أدنى مستوياتها منذ عقود. بل ذهب ويدودو أبعد من ذلك، وأمّن لقاءً بين شي ونظيره الأميركي، هو الأول منذ انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة. وفيما يتوافد القادة إلى الجزيرة الاستوائية، يترقب العالم نتائج قمة شي وبايدن التي تنعقد الاثنين، رغم تخفيض المسؤولين من الجانبين سقف التوقعات. وفي خضمّ التوتر الجيوسياسي المتصاعد بين الغرب والقطبين الصيني والروسي، يخشى الإندونيسيون فشل القمة في التوافق حول بيان ختامي، فيما رجحت تقارير غربية إلغاء «الصورة العائلية» التقليدية تفادياً لاستعراض علني للخلافات.

 

حياد استراتيجي فاجأ الرئيس الإندونيسي العالم الصيف الماضي، بجولة دبلوماسية أوروبية، قادته إلى العاصمة الأوكرانية كييف، بعد رحلة قطار من بولندا استغرقت 11 ساعة وتحدّت صافرات الحرب. وعمد ويدودو إلى تسليم دعوة حضور قمة العشرين لكل من زيلينسكي وبوتين شخصياً، في خطوة أكّدت سعيه إلى تقريب وجهات النظر وإنجاح القمة. وحرص ويدودو على التزام الحياد في الأزمة الأوكرانية، لتعزيز دوره في دعم جهود السلام وإنهاء حرب أصبحت أصداؤها تهدد أمن بلاده الغذائي، وتنذر بعرقلة جهود تحقيق النمو الاقتصادي الأسرع بين دول العشرين، قد يتجاوز 5 في المائة هذا العام. وفي هذا الصدد، رفض ويدودو طلب زيلينسكي تزويد بلاده بالسلاح، وعبّر بدل ذلك عن استعداده إرسال مساعدات إنسانية. في المقابل، انتقد الرئيس الإندونيسي المتحدر من جذور متواضعة، تهديد روسيا بالانسحاب من اتفاق البحر الأسود للحبوب. كما صوت لصالح إدانة الغزو في الأمم المتحدة وشدد على أهمية احترام وحدة أراضي الدول. وفي رد غير مباشر على الضغوط التي يمارسها بعض حلفائه الأوروبيين لإدانة روسيا بشكل واضح، يقول ويدودو إنه يرفض التحول إلى «قطعة بيدق في حرب باردة جديدة». وأضاف في حوار مع صحيفة «فايننشيال تايمز»، أن «مجموعة العشرين ليست منتدى سياسياً. بل من المفترض أن (تركز على) الاقتصاد والتنمية». ونقلت تقارير إعلامية عن مسؤولين غربيين يشاركون في القمة ضمن وفود بلدانهم، حديثهم عن استياء في الأوساط الإندونيسية من هيمنة الأزمة الأوكرانية على أجندة القمة.

 

شراكة شاملة لم يتوقف نشاط ويدودو الدبلوماسي عند محاولة جمع أطراف الصراع في أوكرانيا، بل توجّه بعد أسابيع من جولته في أوروبا إلى بكين لتوجيه دعوة شخصية للرئيس الصيني، زعيم ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم وخصم الولايات المتحدة الأبرز. وتولي جاكارتا اهتماماً خاصاً بشراكتها مع بكين، إذ تعتمد على العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية لدعم نموها وتعزيز بنيتها التحتية وخلق الوظائف. وتعدّ الصين ثاني أكبر مستثمر في إندونيسيا بعد سنغافورة، وضخّت في الربع الأول من عام 2020 أكثر من 1.3 مليار دولار أميركي في قطاعات النقل والسياحة والصناعة الإندونيسية، وفق وزارة الاستثمار. وفي لقاء جمعه بشي جينبينغ في يوليو (تموز) الماضي، وصف ويدودو بكين بـ«الشريك الاستراتيجي الشامل». وشدد في زيارة استثنائية للصين، التي كانت تخضع حدودها آنذاك لقواعد صارمة ضمن سياسة «تصفير كوفيد»، على «تعزيز الشراكة بالتعاون الذي يعود بالفائدة على بلدينا والمنطقة والعالم». ويأمل ويدودو في أن يسفر اللقاء بين شي وبايدن عن تفاهم مشترك يسهم في تخفيف حدة التوتر بجنوب شرقي آسيا، ويقنّن طبيعة التنافس الاقتصادي المحموم بين القوتين العظميين. وقال ويدودو في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عشية اللقاء: «إذا تمكن الرئيس شي جينبينغ والرئيس جو بايدن من اللقاء والتحدث، فإن ذلك سيكون مفيداً جداً للعالم، خصوصاً إذا تمكنا من التوصل إلى اتفاق حول كيفية مساعدة العالم على التعافي». وشهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق خلال الأسابيع الماضية، إذ اعتبرت بكين زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان «تصعيداً خطيراً»، قابلته بمناورات عسكرية واسعة وطلعات جوية مكثّفة في محيط الجزيرة. وفيما تؤكد إدارة بايدن احترامها سياسة «الصين الواحدة»، أكّدت التزامها «الدفاع» عن تايوان في وجه أي اعتداء خارجي، في تجاوز لخطوط بكين الحمراء. وفي ظل الخلافات الجيوسياسية العميقة بين البلدين، قد تقتصر نتائج اللقاء الأميركي - الصيني الأرفع على استئناف التعاون المناخي الذي علّقته بكين رداً على «الاستفزاز» الأميركي في تايوان، والالتزام المشترك برفض تجارب كوريا الشمالية النووية، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين العاصمتين.

 

انقسامات حادة قد يتسبب تصدع النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، على خلفية حرب أوكرانيا والتنافس الصيني - الأميركي، في انقسامات هي الأسوأ منذ تأسيس مجموعة العشرين في عام 1999. وفيما يسابق المنظمون الزمن لإيجاد أرضية مشتركة بين الدول الأعضاء، يُستبعد أن ينجح قادة العشرين في التوافق حول بيان ختامي، فيما قد يعدّ ضربة لجهود الرئيس ويدودو. فقد حالت الخلافات حول حرب أوكرانيا دون نجاح الاجتماعات التمهيدية للقمة في الخروج ببيانات ختامية خلال الأشهر الماضية. واكتفى اجتماع وزراء المالية، واجتماع وزراء الخارجية قبله، ببيان وزّعته الرئاسة الإندونيسية، بعدما اختلف الدول الأعضاء حول صيغة النص النهائي، واصطدم إصرار الدول الغربية على إدانة الغزو بكل من روسيا والصين والهند. وقالت وزيرة المالية الإندونيسية، في ختام اجتماع مع نظرائها في يوليو (تموز) الماضي، إن اللقاء شهد توافقاً حول غالبية القضايا ذات الاهتمام المشترك، باستثناء الحرب في أوكرانيا. وأوضحت سري مولياني إندراواتي أنها خصصت فقرتين من البيان لتسليط الضوء على خلافات الدول الأعضاء حول تداعيات الحرب على الاقتصاد الدولي والخطوات المقبلة. ويأمل المنظمون الإندونيسيون في أن تخلو قمة القادة من المواجهات العلنية، ويسعون لتجنّب تكرار سيناريو مغادرة سيرغي لافروف اجتماع وزراء خارجية العشرين في 8 يوليو (تموز) الماضي. وانسحب لافروف من المحادثات احتجاجاً على مواقف نظرائه الغربيين من الحرب في أوكرانيا، ورفض تحميل بلاده مسؤولية أزمة الغذاء العالمية، كما اعتبر العقوبات الاقتصادية «إعلان حرب». في هذا الصدد، رجّحت تقارير إعلامية غربية احتمال إلغاء «الصورة العائلية»، في ظل رفض بعض القادة التقاط صورة إلى جانب كبير الدبلوماسيين الروس سيرغي لافروف.