مؤثّرو السوشال ميديا... هل انتصر السطحيون؟

تكنولوجيا
قبل شهرين I الأخبار I تكنولوجيا

لو كنت قابلت مفكراً من جيل النخبة مصادفة في الطريق، وتحمل معك كاميرا بسيطة، لكانت هناك فرصة حقيقية لإجراء مقابلة مطولة معه، ولكن لا يعمل الأمر بهذه السلاسة مع المؤثرين الجدد.

وسائل التواصل الاجتماعي.

تتباين تقديرات المواقع المختصة حول عدد من يمكن اعتبارهم "مؤثرين" على المنصات الرقمية، ولكن أغلب هذه التقديرات يقول إن لدينا ما لا يقل عن 50 مليون حساب في العالم تنطبق عليها "معايير التأثير"، بالتحديد لجهة عدد المتابعات وطبيعة الرسالة وهدف المحتوى.

 

تزامن كل ذلك مع لحظة إعلان اليونيسيف عام 2022م أن ثلث الأطفال في سن العاشرة (فقط) على مستوى العالم قادرون على قراءة قصة مكتوبة بسيطة وفهمها، وتزامن أيضاً مع تراجع مؤشرات القراءة والإدراك على مستوى عالمي، طال أيضاً الدول ذات الدخل المرتفع.

هل يقرأ المؤثرون أثناء إعداد المحتوى؟

يشكو نيكولاس كار، مؤلف كتاب "السطحيون"، من تراجع قدراته في التركيز في النصوص المطولة، وضبط التشتت الذي يتعرض له أثناء قراءة الصفحات الإلكترونية. يقول في كتابه "لقد كنت غواصاً في بحر الكلمات، أما الآن فإنني أتنقل على السطح كمن يقود دراجة مائية". 

 

لا ينتمي نيكولاس كار المولود عام 1959م، إلى جيل ألفا أو زد، إنما ينتمي إلى الجيل الأقدم ضمن تصنيفات علم الاجتماع الرقمي، جيل X؛ لذلك كان قادراً على تمييز المشكلة المستحدثة، لأنه عاش عصرين، واحداً كان خارج غلاف المعلومات، وآخر داخل قبضته المطبقة. 

لا يشعر مؤثرو السوشال ميديا من جيلَي ألفا و زد بعمق المشكلة، وأحياناً كثيرة لا يشعرون بوجودها أساساً، لأنهم ببساطة لم يتعرضوا إلا لنمط واحد من إنتاج المعرفة والقراءة، وهو جمع المعلومات بمنطق الشبكة، التشعب والتشتت في الروابط والأفكار، أو بمنطق الدراجة المائية الهائمة على السطح لنيكولاس كار، أو ببساطة منطق التجول الطويل على السطح.  

 

لا يعني ذلك أنني أتحدث هنا فقط عن تراجع مهارات معينة بين جيلين، بل إن المؤثرين من الجيل الأقدم الذين انضمّوا إلى هستيريا وجبات المحتوى السريعة، غضّوا النظر عن نداء نيكولاس كار، ولم يشعروا أساساً بحسرته، وكانوا على أتّم استعداد لترك "العالم القديم" في الإنتاج المعرفي مقابل حجم التعليقات المتراكمة على صفحاتهم، والتفاعلات المتزايدة وطلبات الصداقة الجديدة. 

 

ولكن مجدداً، هل يقرأ المؤثرون؟ نحن أمام حالات متنوعة من المؤثرين ومتباينة في مستوى قراءاتها:

1.  الواجهات الرقمية: ومنهم من يمتلك سمات شخصية تلائم العصر الرقمي (الحضور، الشكل الخارجي، امتلاك روح النكتة، إلخ..) وخلفه يعمل فريق إعداد متنوع، ومايسترو محتوى (غالباً من جيل إكس أو واي، أو من القلائل الذين نجوا من منطق تفكير الشبكة من جيل زد).

 

2. التناسخ الرقمي: تتعرض شبكة الإنترنت اليوم إلى حالة من التناسخ الرقمي، وتتم إعادة إنتاج المحتوى نفسه، على هيئات مختلفة، عبر "السرقات المتكررة" للأفكار والمحتوى في عالم المؤثرين الشحيح بالأفكار الجديدة. فيديو مأخوذ من فيديو بلغة أخرى، وصوت جديد مأخوذ من صوت قديم، وصورة معدّلة من صورة، إننا نعيش حرباً شاملة على أصالة إنتاج الأفكار، والقدرة على ابتكار الرؤى الجديدة، يقودها تيار واسع من المؤثرين الشبقين للصورة المزوّرة والتعليقات الكثيرة.

عندما انفجر عصر الصورة، راهن البعض على إمكانية قيادة تيار من النخبة المثقفة لمدار "التأثير الجديد"، بمعنى أنهم وبقراءاتهم العميقة والمطوّلة، يستطيعون استخدام إمكانيات الصورة الجديدة، كي يلخصّوا لنا، ويكثفوا لنا الفكرة، لم يحدث ذلك، وانكفأت النخبة المثقفة خلف أدواتها القديمة، وشعرت بأنها باتت منتهية الصلاحية، وتصدّر متقنو استخدام الأدوات الجديدة واجهة المشهد، وادّعوا بكل صلافة امتلاكهم للمعرفة.

 

3. مؤثرون يقرؤون بمنطق الشبكة: القراءة بمنطق الشبكة، تشبه فعل السياحة السريعة، التنقل السريع بين الروابط المختلفة والصفحات الإلكترونية من دون التعمق في أي واحدة منها. في السياحة السريعة، يلتقط السائح الصور السريعة وعلى عجل، ويهتم في تجميع السلع التذكارية من الأماكن من دون التأمل فيها، والاستفسار العميق عن علاقتها بتاريخ المكان. يتعمّد تيار واسع من المؤثرين العمل بالمنطق نفسه، تجميع الأفكار ذات الفرصة العالية للبيع من الروابط المبعثرة، والكلمات الرنّانة، والأرقام الصادمة، ومحاولة نسجها جميعاً في نسق ما.

 

لماذا يخشى المؤثرون المناظرات والحوارات الطويلة؟ لو كنت قابلت مفكراً من جيل النخبة مصادفة في الطريق، وتحمل معك كاميرا بسيطة، لكانت هناك فرصة حقيقية لإجراء مقابلة مطولة معه، ولكن لا يعمل الأمر بهذه السلاسة مع المؤثرين الجدد غير المستعدين، فاستدعاء الكلمات والأفكار في هذا التيار تبدو مسألة أكثر تعقيداً هنا، ولا سيما مع تراجع "فن التذكر".

 

 

يشير عدد كبير من الدراسات في ميدان علم الأعصاب، إلى أن الإنترنت ومنطق الشبكة والتواصل الاجتماعي تعمل على تغيير بنية أدمغتنا، ومنطق بناء الخرائط الذهنية والمعرفية "الدارات" فيها. ببساطة، عندما تقرأ كتاباً ورقياً، أو حتى كتاباً إلكترونياً (مع وقف جميع عناصر التشتيت عن الشاشة "بريدك، تنبيهات الاشتراكات، إلخ..")، يتم تحفيز مراكز محددة في الدماغ متعلقة باللغة والذاكرة والمعالجة البصرية، تتسلسل الأفكار والبيانات كالقطرات، بهدوء، من الذاكرة المؤقتة إلى الذاكرة طويلة المدى؛ هذه الأخيرة ليست أرشيفاً، ليست مستودعاً للبيانات، وإنما هي أساس للفهم، وأساس للقدرة على التعبير الدقيق.

 

لا يشبه هذا المنطق في القراءة منطق التزاحم في تفقد الصفحات الإلكترونية، وتبادل الرسائل، و"الانتباه المنقسم"، والتوقف للحظات لاتخاذ قرار بشأن النقر على رابط ما وترك الصفحة الحالية أم لا. منطق القراءة الجديد يستبدل صنبور الماء الهادئ من الذاكرة المؤقتة إلى الذاكرة طويلة المدى، بفيض من المعلومات المختلطة غير المنسقة، والتي لا يمكن لها الاستقرار في خريطة معرفية ما، لذلك بالضبط، يفضل المؤثرون نوعاً واحداً من الشاشات، المساحات المسجلة بالكامل، والقصيرة للغاية. 

 

هل انتصر السطحيون؟  عملت سطحية التفكير كمسار في التاريخ البشري، وكل أداة أو تقنية فكرية ابتكرناها، غيّرت في المسار الذهني للجنس البشري، لذلك تتجلّى ذروة التسطيح في اعتبار هذه الابتكارات، وصولاً إلى الإنترنت، مجرد أدوات فقط، وهذا ما اعترض عليه تيار فكري واسع، من جاك إيلول (الذي عدّ التكنولوجيا أيديولوجيا جديدة) وصولاً إلى هابرماس في الحديث عن دور الأدوات في الاتصال. 

كان سقراط قلقاً من الكتابة أن تُضعف التذكر الإنساني (إلى أن ثبت عكس ذلك)، كان هنالك شكوك أن يتغير أسلوب كتابة نيتشه مع بدء استخدامه الآلة الكاتبة (وثبت ذلك بعد اعترافه شخصياً بالأمر). غيّرت الساعة الميكانيكية من منطق تفكيرنا، وجعلتنا نفكر بمنطق التقسيم والتجزئة، جعلت منا الخريطة نفكر بمنطق التكثيف المكاني، أما الإنترنت فجعلتنا نفكر بمنطق الشبكة (الجولات الواسعة على السطح، من دون الغوص).

 

انتشر السطحيون في مسار تاريخي، لم يكن من الممكن رده في مسار التطور والابتكار. ليس هنالك مشكلة في الانتشار، ولكن ثمة مشكلة كبيرة في الانتصار، فانتشار السطحيين يعالجه انتصار المثقفين في ميدان التفكير. 

 

يقف العالم على أعلى عتبة من التسلية بإنتاج المؤثرين ومحتواهم، ولكنه بحاجة إلى الحفاظ على أدوار التأثير المعرفي التاريخية؛ المعلم الروحي، المفكر اللامع، شيخ الطريقة، الكاتب الصحافي المحترف، إلخ... ولكن بالتأكيد ليس المؤثر الرقمي بهيئته الحالية! 

 

في فيلم "المانح"، يتم اختيار شخص واحد من فئة الشباب التكنولوجيين، ليتلقى التعليم عند "المانح" ويتعلم منه التاريخ والفلسفة... ليت ذلك يحدث قبل الضغط المتهور على زر التسجيل!

 

* الميادين