ما سر إصرار الجنوبيين على إنهاء الوحدة مع الشمال والعودة لما قبل 1990؟

تقارير وحوارات
قبل أسبوع 1 I الأخبار I تقارير وحوارات

ثلاثة عقود وأكثر مضت منذ أن أعلنت الوحدة بين الشمال والجنوب في اليمن التي لم تدم طويلا، بل تلونت بالدماء في حرب عام 1994 عندما قرر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح استخدام القوة ضد المعترضين على الوحدة التي سلبتهم مواردهم وحقهم في العيش كمواطنين لا رعايا، بعد أن قدموا الكثير من التنازلات طواعية.

في هذه الفترة بدأ صالح في التنصل من كل الاتفاقات والوعود التي تم التوقيع عليها، بحسب ما يسوقه الساسة الجنوبيون، مؤكدين أنه تم إفراغ الجنوب من كل مقومات الدولة ونقلها إلى الشمال، ومن هنا بدأ العمل السري والمقاومة من جانب الجنوبيين وظهرت الكيانات السياسية والمسلحة ضد قوات الشمال وتم قتل واعتقال الكثيرين، واستمر الحال حتى رحل صالح وحاولت جماعة "أنصار الله" دخول الجنوب فتم التصدي لهم، ويعيش الجنوب اليوم مرحلة مصيرية في مشواره السياسي.

فلماذا يطالب الجنوبيون بإنهاء الوحدة مع الشمال رغم أنهم طالبوا بها عام 1990؟

بداية يقول القيادي الجنوبي، منصور صالح، "للأسف تعرض الجنوب منذ اليوم الأول للاستقلال عن بريطانيا في 1967 للاستهداف في هويته العربية وبإدخاله في مشروع اليمننة".

وأضاف في حديث لـ"سبوتنيك": "مارست العناصر اليمنية التي اخترقت منظومة السلطة في الجنوب مستغلة حالة التسامح الجنوبي مع أبناء اليمن -الفارين إلى الجنوب من طغيان الحكم في بلادهم حينها- كل وسائل التأثير إعلاميا وثقافيا وتعليميا لزرع ثقافة الانتماء لليمن في الوعي الجنوبي، وبضرورة العمل على تحقيق الوحدة مع اليمن ناهيك عما كان لدى الجنوبيين من نزعة قومية عربية، تأثرا بالقائد العربي الكبير جمال عبدالناصر واعتقادهم "الوهمي" أن الوحدة مع اليمن ستكون نواة للوحدة العربية الشاملة".

وحدة غير مدروسة

وتابع صالح: "ذهب الجنوبيون للوحدة مع الشمال عام 1990 وهي وحدة لم تكن مدروسة من كل جوانبها، وقدموا كل التنازلات كالعاصمة والعلم والعملة كما تنازلوا عن مساحة هي ضعف مساحة الشمال ليتوحدوا مع بلد يفوق تعداد سكانه عشرة أضعاف سكان الجنوب، حيث أن مساحة الشمال ضيقة قليلة الثروات (155 ألف كم مقارنة بـ335 الف كم للجنوب) ناهيك عن الموقع الجغرافي المتميز للجنوب مقارنة بالشمال اليمني المحاصر في الجبال والصحارى".

 

وأكمل: "مع كل هذا لم تقدر سلطة صنعاء ما قدمته القيادة الجنوبية التي كان كل شرطها هو أن يؤخذ من تجربتي الشمال والجنوب أفضلها بما يحقق الرفاهية للشعبين، وتعاملت بمصداقية ومسؤولية لم تكن موجودة لدى القيادة اليمنية التي تعاملت بخفة ولؤم وخبث لم يعتاد عليه الجنوبيون".

وأشار القيادي الجنوبي إلى أنه، "كان واضحا وبوقت مبكر أن القيادة الشمالية لم تكن جاهزة لمشروع كبير كمشروع الوحدة، بل على العكس كانت تعد للغدر بها والانقلاب عليها، لأن صنعاء كانت ترى في الجنوب مجرد أرض شاسعة خالية من السكان وثروات طائلة لم تستغل بعد".

اغتيال الجنوب

وأوضح صالح أن "صنعاء باشرت عمليات الاغتيالات والتصفيات للكوادر الجنوبية "156" قياديا قتلوا بعد عام من الوحدة، وانقلبت صنعاء على كل ما تم الاتفاق عليه".

وتابع: "في اعام 1994 قامت بغزو الجنوب مستغلة تفوقها السكاني، وحشدت القبائل والجيوش والعناصر الإرهابية العائدة من أفغانستان، بعد أن أصدرت المؤسسة الدينية فتوى بتكفير الشعب في الجنوب وجواز قتله، ومنها فتوى القيادي الإخواني عبدالوهاب الديلمي بوصفهم شيوعيين وكل هذا موثق وليس كلاما للاستهلاك".

واستطرد: تحقق للشمال ما أراد من احتلال للجنوب، وتم تسريح جيشه وموظفيه من مختلف مفاصل الدولة ونفي قيادته التي وقعت الوحدة إلى الخارج، وتم تدمير مؤسسات الدولة الجنوبية وخصخصتها ونهبها لصالح القوى المتنفذة في الشمال، كما لم تتوقف أعمال التصفيات ومعاملة الجنوبيين بدونية وبأنهم مجرد "هنود وصومال" وأن الجنوب أرض يمنية يقطنها بشرغير يمنيين.

خطأ وخطيئة

وقال صالح، إنه "في وسط كل هذا وبعد فشل مشروع الوحدة وتحولها إلى احتلال همجي أعاد الجنوبيين عقودا طويلة إلى الوراء، كان لزاما على شعب الجنوب أن يرفض هذا السلوك وأن يسعى لفك الارتباط بعد فشل الوحدة، ويعمل على استعادة دولته المدنية وهو ما يتم العمل عليه".

وأعرب القيادي الجنوبي عن أسفه لأن القوى اليمنية لم تستوعب إلى الآن خطأها وخطيئتها في الجنوب، وتريد مواصلة هيمنتها على الجنوب لمواصلة نهبه ولا يوجد لديها مشروع دولة، "لذا فإن التعريف المختصر للوحدة لدى الشمال، أنها فقط وحدة مع الأرض والثروات، من أراض ونفط وغاز وممرات دولية وشريط ساحلي طويل وثروة سمكية، مقابل قتل وإهانة للمواطن الجنوبي، وكل هذا أمر مرفوض جنوبا وستتم مقاومته".

استقلال لا انفصال

من جانبه يرى الكاتب والمحلل السياسي الجنوبي، جمال حيدرة، أن الجنوبين يريدون استقلال واستعادة دولتهم وليس انفصال، "لأن الفرق كبير بين المصطلحين، أما لماذا فهناك أسباب كثيرة جدا دفعتهم للتفكير ومن ثم النضال ضد الواقع الذي فرضته حرب صيف 1994 تحت يافطة الوحدة".

وأضاف في حديث لـ"سبوتنيك"، "يتوجب علينا ولكي تكون الصورة واضحة أن نشير إلى أن الجنوبيين كانوا وحدويين أكثر من الشماليين، وبأن الجنوبيين ذهبوا للوحدة السليمة في العام 1990 عن وعي وطني عروبي قومي منقطع النظير، ولم يكن لدى الشماليين للأسف في تلك الفترة أي تصور عن أهمية الوحدة لليمن وللعرب".

وتابع: "هذه الحقيقة أكدتها بعض القيادات الشمالية المنصفة منهم الشيخ سنان أبو لحوم، الذي كان يقول إن القيادات الجنوبية ذهبت للوحدة بحسن نوايا، وكان هدفها بناء يمن قوي على كافة المستويات، في حين كانت نوايا القيادات الشمالية مختلفة تماما وكان هدفهم ابتلاع الجنوب ونهب ثرواته".

الإصلاح والحرب

وأشار حيدرة، إلى أنه يجب الإشارة إلى أن الوحدة السلمية التي كانت ضمن أدبيات وبرامج الحزب الاشتراكي اليمني -حاكم الجنوب آنذاك- لم تستمر سوى ثلاث سنوات فقط، ومع بداية العام 1994 كانت الوحدة تلفظ انفاسها الأخيرة في عدن، وفي 27 أبريل/نيسان من ذات العام أعلن علي صالح الحرب ضد الجنوب من ميدان السبعين بصنعاء، واستمرت الحرب قرابة 70 يوما، انتهت باجتياح الجنوب من قبل القوات الشمالية".

وتابع، "أما عن الأسباب التي أدت إلى افشال الوحدة كمشروع سلمي بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، وبين الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، فأولها تأسيس حزب الإصلاح الإخواني في منتصف سبتمبر/أيلول من العام 1990م أي بعد 4 أشهر من إعلان إقامة الوحدة اليمنية، حيث جاء هذا الحزب من خلفيات دينية جهادية متطرفة، لا تؤمن بالديمقراطية ولا التعددية السياسية ولا يحمل مشروعا وطنيا بقدر ما كان يحمل توجه إخواني".

دماء وموارد الجنوبيين

وأضاف حيدرة، "كان علي صالح يدعم هذا الحزب المسمى بالإصلاح بغرض تشكيل جبهة تدعمه ضد الاشتراكيين والناصريين، وأعتقد أنه قد وجد ضالته في حزب الإصلاح، واستفاد منه في تصفية خصومه السياسيين، حيث تم تصفية واغتيال ما يزيد عن 150 قياديا جنوبيا في الثلاث السنوات التالية للوحدة، فضلا عن استخدام الإخوان في التحشيد الديني ضد الجنوب أثناء حرب 1994، واستفاد من مشايخ الدين في إصدار فتاوى تبيح دماء الجنوبيين، وأشهرها فتوى عبد الوهاب الديلمي التي بموجبها تم غزو الجنوب تحت مبرر الردة والانفصال".

واستطرد: السبب الآخر لفشل الوحدة اليمنية وتحول مشاعر الناس في الجنوب من حب للوحدة إلى كره شديد، يتمثل في الفوارق بين الشمال والجنوب،مثلا الفارق الثقافي، والتعليمي، والاقتصادي، السكاني والجغرافي، حيث أن الجنوب كان دولة مؤسسات يزدهر فيها الجانب الصحي والتعليمي والثقافي، ويحترم فيها الناس النظام والقانون، ويتقلص فيه الفساد والمحسوبية ...الخ، وعلى المستوى الاقتصادي تتركز 80% من الموارد في الجنوب مقابل تعداد سكاني لا يتجاوز 2 مليون نسمة، ومساحة جغرافية تصل إلى 335 ألف كيلو متر مربع، بينما تتركز الكثافة السكانية الكبيرة في الشمال بتعداد سكان يصل إلى 18 مليون نسمة مع شح كبير في الموارد وانعدام تام للمؤسسات، وغياب للنظام والقانون، وتدهور في التعليم والصحة، وبروز معضلات كثيرة منها الفساد والمحسوبيات، والاستقواء بالقبيلة وغير ذلك الكثير من الظواهر التي شكلت صدمة كبيرة للجنوبيين، وعجز مشروع الوحدة من تجاوزها أو التأثير فيها.

مضيفا: هذه الظروف مجتمعة شكلت موقفا سياسيا جنوبيا رافضا لكل تلك الظواهر السلبية، وتشكل في الجهة المقابلة له موقف سياسي شمالي عنيف ومتصلب، ورافض لكل مبادرات التغيير بعد أن استحوذ على كل مقدرات الدولة ومؤسساتها ومواردها، مقصيا الطرف الجنوبي كشريك أساسي وسياسي في الحكم والسلطة، وأدخل بديلا عنه حزب الإصلاح الإخواني.

قهر وإذلال

ولفت حيدرة، إلى أن حرب صيف العام 1994 انفجرت وحشد الإصلاح الشعب في الشمال بالآية والحديث، ودخلوا الجنوب فاتحين، بعد أن أخرجوا الشريك الجنوبي من نافذة الوحدة كافر ومرتد، وتحول الجنوب وفق هذا الواقع الجديد إلى إقطاعيات للمشائخ ورجال الدين والعسكر والمتنفذين، وقضوا على دولة بكل مقوماتها، وفرضوا قبضة أمنية شديدة وفق نهج نظام قمعي بوليسي شديد الإجرام ضد كل ما هو جنوبي، وخلال ثلاثة عقود تالية لحرب الصيف اللعينة عاش الجنوبيون على أرضهم كمواطنين من الدرجة العاشرة يتجرعون صنوف القهر والإذلال والجوع والفقر، بينما تذهب خيراتهم لبناء قصور واستثمارات في الشمال.

 

واختتم بقوله:، هذه كانت أسباب رئيسية لـ "كره" الجنوبيون للوحدة التي لم تكن سوى يافطة عريضة لشرعنة ظلمهم واضطهادهم وسلب كرامتهم وحريتهم.

وبداية شهر سبتمبر /أيلول الجاري، لقي 21 جندياً مصرعهم وأصيب 4 آخرين، إثر هجوم شنه تنظيم "القاعدة" على ثكنة لقوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، في مديرية أحوَّر الساحلية شرق محافظة أبين، أسفر أيضاً، عن مقتل 6 مهاجمين وأسر آخر من عناصر التنظيم.

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي، أعلن في 22 أغسطس/ آب الماضي، إطلاق عملية عسكرية أسماها "سهام الشرق" لتأمين محافظة أبين، من العناصر الإرهابية.

وتشهد المديريات الوسطى في محافظة أبين نشاطاً لتنظيم "القاعدة" وتشن عناصره بين الحين والآخر هجمات إرهابية على الجيش والأمن تخلف عادةً ضحايا من العسكريين، ما دفع القوات اليمنية إلى تنفيذ حملات على أوكار التنظيم.

وتصاعد حضور عناصر تنظيم "القاعدة" في مناطق عدة باليمن، مع اندلاع النزاع في البلد العربي الذي يمزقه الصراع منذ أواخر 2014.

ويشهد اليمن منذ نحو 8 أعوام معارك عنيفة بين جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) وقوى متحالفة معها من جهة، والجيش اليمني التابع للحكومة المعترف بها دولياً مدعوماً بتحالف عسكري عربي، تقوده السعودية من جهة أخرى لاستعادة مناطق شاسعة سيطرت عليها الجماعة بينها العاصمة صنعاء وسط البلاد أواخر 2014.

وأودى الصراع الدائر في اليمن منذ اندلاعه بحياة 377 ألف شخص، 40 في المئة منهم سقطوا بشكل مباشر، حسب تقرير للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

*نقلا عن سبوتنيك عربي