أزمة مساكن في عدن .. إيجارات مرتفعة وتعاملات بالعملة الصعبة

تقارير وحوارات
قبل 9 أشهر I الأخبار I تقارير وحوارات

يخشى  المواطن سمير سعيد من أبناء مديرية الشيخ عثمان بالعاصمة عدن أن يجد نفسه مع أبنائه الثلاثة وزوجته في العراء بعد ارتفاع إيجارات المنازل والشقق بشكل غير مسبوق. قال سمير، الذي يستأجر منزلًا منذ سنوات في منطقة "عمر المختار"، إنَّه بات يواجه صعوبة بالغة في تسديد ما يقع على عاتقه لمالك الشقة.

وأضاف ": "تجمعني علاقة طويلة مع مالك الشقة؛ لسنين طويلة لم أتأخر يومًا عن سداد إيجاري بالوقت المحدد، ولكن في الأعوام الأخيرة، لم يعد بمقدوري تحمل ذلك". وأوضح سمير أنَّ إيجار الشقة التي يقطنها مع عائلته تضاعف 3 مرات خلال الفترة الأخيرة، وتحول إلى عملة الريال السعودي نظرًا لانهيار العملة المحلية.

"أعمل بدوام جزئي في احد المحالّ بأسواق المدينة مقابل 60 ألف ريال يمني [41$]، أي أقل من 200 ريال سعودي الآن، فيما تبلغ قيمة الإيجار 600 ريال سعودي [160$]. اضطر للعمل في أشياء مختلفة إضافية لسد هذه الفجوة الكبيرة، وهو شيء يأخذ من عمري وصحتي ونفسي الكثير".

سمير سعيد هو واحد من بين الآلاف من سكان عدن أو القادمين إليها، ممن يكابدون مشقة الحصول على سكن مناسب نتيجة سيطرة العملات الأجنبية [الدولار الأمريكي، الريال السعودي] على سوق المنازل والشقق في المدينة وارتفاع الإيجارات بشكل كبير، لتصل في أحيان كثيرة إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف متوسط الدخل للمعلمين وذوي الدخل المحدود.

عملة غير موثوقة 

نتيجة التقلبات الشديدة والمستمرة في قيمة الريال اليمني، صعودًا وهبوطًا، ومستويات الانهيار القياسية التي وصلت لها هذه العملة على مدى السنوات الماضية، فقد الريال اليمني موثوقيته في كثير من التعاملات المحلية وفي مقدمتها عملية تأجير أو شراء المنازل والعقارات السكنية. كما امتد ذلك إلى كثير من القطاعات بصورة غير رسمية.

وعلى الرغم من ذلك، بقت رواتب موظفي القطاع المدني والمسلح في مناطق الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا عند مستويات القيمة السابقة بالريال اليمني دون أي تغيير، وهو ما تسبب بفقدان أكثر من 500% من قيمة هذه المرتبات بشكل تدريجي. خلق هذا الانهيار القاسي تداعيات مدمرة على حياة السكان في مختلف مناحي الحياة.

ووفقًا لموقع Salaryexplorer المتخصص، يتقاضى 65% من الموظفين الحكوميين في عدن راتبًا ما بين 22,000 و56,500 ريال يمني [16 – 39$]، بينما يبلغ الحد الأدنى للمرتبات 9610 ريال يمني، والحد الأعلى 170 ألف ريال يمني. متوسط الرواتب هو 33,200 ريال يمني، مما يعني أن نصف الموظفين في عدن يكسبون أقل من ذلك.

وفي القطاع الخاص، يبلغ متوسط الأجر في عدن 220 ريالا يمنيا لكل ساعة عمل، بحسب الموقع.

معاناة مستمرة 

خلال الأيام الماضية، تداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلًا مرئيًا لشاب من مدينة عدن، يدعى كرم رياض، وهو لاعب سابق في نادي التلال العريق ولاعب سابق أيضًا في المنتخب اليمني، يشكو عدم قدرته على استئجار شقة لأسرته بمبلغ 120 ألف ريال يمني.

الشاب كرم، الذي تعود الناس على رؤيته يحمي مرمى كرة القدم، حققت المعاناة أهدافا في مرمى حياته فلم يستطع مقاومة دموعه في ذلك التسجيل المرئي. انتقد الشاب العدني الإفراط في أسعار الشقق من قبل الملاك، وإخضاع عقود التأجير للريال السعودي والدولار الأمريكي. وتساءل كيف له ولأقرانه من الشباب أن يحصلوا على المبالغ المطلوبة لإيواء أسرهم. 

أم أحمد، سيدة من عدن، قالت إنَّ عمل ابنتها في منظمة أجنبية ساعد في توفير الإيجار المطلوب بالدولار للمنزل الذي تقطن فيه. ومع ذلك، تفكر أم أحمد بجيرانها كثيرًا ممن لم يحالف الحظ أولادهم أو بناتهم بفرص مشابهة. وأضافت : "رغم أنَّ الأمر لا يمسنا بصورة مباشرة، لكن قلوبنا تعتصر ألمًا على حال جيراننا السيء".

السلطة المحلية 

في ديسمبر 2021، شكل محافظ عدن أحمد لملس لجنة رقابية لمتابعة ضبط عقود الإيجارات السكنية والتجارية بالعملة المحلية. ونص القرار على إنشاء لجنة عليا في العاصمة عدن، تليها مجالس ولجان قطاعية فرعية للوحدات السكنية والتجمعات في المراكز المحلية، مع منح هذه اللجنة صلاحية ضبط جميع الأسعار، ومعاملات الإيرادات.

وكُلفت اللجنة بمراقبة القيمة الإيجارية للمساكن في مختلف مناطق عدن، لتوحيد ومراقبة القيمة الإيجارية باستخدام نماذج خاصة، ولضمان صلاحية عقود الإيجار السكنية وتمديد مدتها بنفس الطريقة. ونصت المذكرات على أنَّه "لا تزيد الشروط وقيم الإيجار بالعملة المحلية في هذه الحالات الخاصة طالما يلتزم المستأجر بالأداء المنتظم أو المتأخر للإيجار".

بوضوح، لم تحقق هذه اللجنة الغرض الذي أنشأت لأجله بشكل كامل. وللحديث عن الأسباب، قال رئيس اللجنة وكيل محافظة عدن، عبد الرؤوف السقاف.  "القرار الذي اتخذه المحافظ لا يتوقف عند المعاملات والعقود الإيجارية التجارية أو السكنية فقط، بل يشمل السيطرة على جميع معاملات الأسعار والإيرادات كجزء من العديد من المهام الأكبر حجمًا".

وأضاف: "فيما يتعلق بالإيجار، كانت رؤيتنا للملف أنَّه ملف تعاوني يجب العمل عليه مع جميع الأطراف المعنية بالتوازي وأهمها الحكومة، حتى يمكن تنفيذ الإصلاحات. لقد أعطينا رئيس الوزراء رؤية لما يجب أن يفعله في المحافظة، لكن الانهيار الاقتصادي المستمر واضطراب سوق الصرف أوقف كل الإجراءات التي كنا نخطط لها".

وأوضح السقاف أن ملاك العقارات والشقق والمنازل طالبوا بضبط سوق الصرف مقابل الالتزام بالعملة المحلية في التعاملات المتعلقة بالتأجير. ولفت إلى أن اللجنة التي يترأسها متوقفة عن العمل في الوقت الراهن بسبب القيود التي فرضها انهيار العملة المحلية، مضيفًا: "هذه المشكلة هي مشكلة الدولة والحكومة بكلها".

وأكد السقاف أن اللجنة "استطاعت وضع سقف لأسعار الإيجارات منع من تفاقهما إلى مستويات قياسية، إلى حد ما". 

ضحية لا جلاد 

ينتقد المواطن عبد الله بانافع، مالك إحدى العمارات السكنية في مديرية خور مكسر، من ينظر إلى ملاك العقارات، لا سيما الصغار منهم، على أنَّهم جلادون يتلذذون بمعاناة ضحاياهم من المواطنين. وقال: "نحن نقدر أوضاع المستأجرين سواء الساكنين أو أصحاب المحالّ التجارية، ولكن أصبح الوضع يمسنا بالضرر بالدرجة الأولى ويؤثر علينا".

وأضاف: "كيف يعقل أن أقبض من المستأجر تاجر المواد الغذائية قيمة الإيجار بالعملة المحلية، وهو يحتسب كل أغراضي التي اشتريها بالعملة الصعبة، ويغير أسعار أبسط السلع وفقا لتقلبات سوق الصرف كل ساعة؟". وأوضح بانافع أنه استمر وإخوانه باستقبال مبالغ إيجار رمزية من المستأجرين حتَّى العام 2016 بعد أن بدأت الأوضاع بالتغير "نحو الأسوأ". 

وأردف: "هناك من يريد إظهار أنَّ ملاك العقارات جميعهم تجار أزمات، إلا أنَّ هناك شريحة كبيرة منهم إن لم تكن غالبية عظمة هم أيضًا من ضمن المواطنين، ويعتبر العقار سواءً كان شقة، أو محلاً صغيرًا، مصدر دخل رئيسي وأساسي لهم". وطالب بانافع بمعالجة اضطراب سوق الصرف وتثبيت سعر العملة وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية قبل استهداف ملاك العقارات، حدَّ تعبيره. 

استثمار الأزمة 

مع أن جزًءا كبيرًا من ملاك العقارات متضررون من الوضع الراهن، إلا هناك الكثيرين ممن استغلوا أو استثمروا الأزمة لزيادة المكاسب، وفقًا لمصادر عاملة في سوق العقار بعدن.

ومن الأساليب التي لجأ إليها بعض ملاك العقارات للالتفاف على رقابة السلطة المحلية، إمضاء عقود صورية بالعملة المحلية للشقق والمنازل والمحلات، وعقود أخرى حقيقية تكون بين المالك والمستأجر بالعملة الأجنبية. ويتحمل المستأجر فارق السعر الذي يحتسب غالبا بعملة الدولار الأمريكي أو الريال السعودي. 

وفي أحيان كثيرة، يذهب بعض ملاك العقارات إلى إخلاء منازلهم وشققهم بالقوة من المستأجرين الذين يعجزون عن دفع قيمة الإيجار.

دور القانون 

ترى أستاذة القانون المدني المشاركة في جامعة عدن، د. زينة خليل، أنَّ هناك حاجة ماسة لمعالجة مشكلة إيجارات الشقق والمنازل السكنية في عدن. 

وقالت : "مشكلة ارتفاع الإيجارات السكنية وما قد يترتب عليها من آثار قانونية سلبية على المستأجر والمؤجر معا، تأتي كنتيجة لغياب قانون ينظم العلاقة بين المؤجر والمستأجر ووجود لائحة تنفيذية لهذا القانون".

وأضافت: "علاقة المؤجر والمستأجر، علاقة أنشأها عقد ملزم بين الجانبين نتج عن توافق الإرادتين، استنادًا إلى مبدأ سلطان الإرادة، ترتب عنه آثار قانونية ضمت حقوق والتزامات لكلا الطرفين، منها تحديد أجرة المسكن للمنفعة ومدة الإيجار. وبما أن عقد الإيجار من عقود المدة أي الزمنية فهو يتأثر بالظروف الاستثنائية".

وأردفت: "لهذا نصادف اليوم الكثير من هذه المشاكل في ظل الأوضاع المتردية. مع غياب الدولة والقانون، غابت معهما الرقابة والضوابط". 

واقترحت الأكاديمية "التسريع في سن قوانين ونصوص تواكب الوضع وتحافظ على حقوق المؤجر والمستأجر". مضيفة: "كما يجب أن يضاف نص صريح يقضي بأن تظل عقود الإيجار سارية المفعول خلال الظروف الاستثنائية، على أن تمدد الفترة بفترة مماثلة وبذات الشروط، حتى ينتهي الظرف، وبعد التمديد وعند طلب الإخلاء للعين المؤجرة، تطبق أحكام القانون". 

وطالب وكيل محافظة عدن عبد الرؤوف السقاف وزارة الأشغال العامة ومكاتبها التنفيذية بممارسة مهامها، بوصفها الجهة المخولة بتنظيم علاقة المالك بالمستأجر.

وأضاف: "نحن اليوم نضم صوتنا إلى صوت المواطنين في ضرورة إيجاد حلول بحسب المتاح، وبما لا ينعكس سلبًا على ملاك العقارات. كما ندعو التجار وملاك العقارات أن يكون لهم دور وطني يراعي الظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد وأن يساهموا بالتخفيف على معاناة الناس والمواطنين". 

المصدر: سوث 24