الخوثيون يخنقون الاقتصاد جنوباً ويفرضون استقراراً وهمياً شمالاً

اقتصاد
قبل 10 أشهر I الأخبار I اقتصاد

يواصل الريال اليمني تراجعه أمام سلات العملات الأجنبية في المناطق المحررة، والذي بدوره انعكس على أسعار المواد الغذائية الأساسية التي ارتفعت بشكل جنوني؛ بسبب ترحيل مليشيا الحوثي الأزمات إلى المناطق المحررة وفشل الحكومة في إدارة الأزمة.

وبات هذا التراجع محط استغراب المراقبين الاقتصاديين، لتوفر حلول اقتصادية لدى الحكومة إلا أنها تتجاهلها، وإزاء ذلك أثار استمرار انهيار الريال موجة من الانتقادات حول استمرار التراجع الاقتصادي رغم الدعم السعودي الأخير الذي كان من المفترض أن يعالج الكثير.

حلول..

وقسّم الصحفي الاقتصادي وفيق صالح حلول المشكلات الاقتصادية إلى قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.

وقال وفيق إن الحلول السريعة تتمثل بالعمل على حشد الدعم المالي للبنك المركزي ومسارعة الحكومة بوضع إصلاحات مالية واقتصادية عاجلة تتمثل بتقليص مدفوعات النقد الأجنبي، وتنظيم آلية الاستيراد التي تستهلك العملة الصعبة من السوق المحلية بشكل مهول، إلى جانب تفعيل البنك المركزي لأدوات السياسة النقدية، عبر تشديد الرقابة على النشاط المصرفي والتحكم بالمعروض النقدي من العملة المحلية في السوق المصرفية، وكبح عملية المضاربة والطلب على النقد الأجنبي. بحسب "نيوز يمن".

أما المسار الآخر للحل فهو تفعيل الصادرات اليمنية، خصوصاً صادرات النقد الأجنبي، وتوحيد كافة الأوعية الإيرادية للبنك المركزي وتفعيل الموازنة العامة للدولة ووقف عملية الإنفاق الحكومي من مصادر تضخمية، وتفعيل مؤسسات الدولة مثل مصافي عدن من أجل تكرير النفط الخام وتمويل السوق المحلية بالوقود والمشتقات النفطية، وهذا سيعمل على تخفيف حدة المضاربة بنسبة تتجاوز 50% من جانب، ومن جانب آخر رفد خزينة الدولة بمليارات الدولار سنوياً.

واعتبر صالح المنحة السعودية الأخيرة خطوة مهمة لتعويض خسارة الحكومة من توقف تصدير النفط الخام، وكذلك لمساعدة الحكومة في الالتزام بدفع الرواتب وتوفير العملة الصعبة اللازمة للاستيراد في بعض المجالات.

وقال إن أهمية المنحة السعودية الحالية والمقدرة بمليار ومائتي مليون دولار، تكمن في كونها تأتي في ظل أوضاع حرجة يشهدها الاقتصاد اليمني، وضغوطات مالية متفاقمة على المالية للدولة، مع توقف تصدير النفط الخام منذ أكتوبر الماضي، ونقص الموارد المحلية للحكومة.

وبالتالي -يضيف صالح- هذه المنحة في الوقت الراهن من المفترض أن تساعد الحكومة على القيام بمهامها في دفع رواتب الموظفين والإنفاق على الخدمات، وتوفير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد المشتقات النفطية، وكذلك تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف، والحفاظ على المستوى العام للأسعار ومنع اختناقات تموينية أو أي أزمات سلعية في الأسواق.

ولكن، أيضاً، يشترط أن تقوم الحكومة بخطوات مهمة ترافق عملية المنحة السعودية من أجل أن تنعكس على استقرار الوضع المعيشي للمواطنين، إذ إن حجم الاحتياجات أمام الاقتصاد الوطني يتضاعف، والعمل على تحسن أسعار الصرف ورفع القدرة الشرائية للمواطن يحتاج إلى خطوات أخرى إلى جانب المنحة السعودية، بحيث تكون الأخيرة عاملاً مساعداً إلى جانب ما تحصل عليه الحكومة من موارد عامة في تغطية الاحتياجات والنفقات وتوفير الكميات اللازمة من النقد الأجنبي لتمويل عمليات الاستيراد.

وبحسب صالح، فإن مسألة استقرار سعر العملة والمستوى العام لأسعار السلع بحاجة إلى تكوين احتياطي من النقد الأجنبي، لا يتم تخصيصه لتغطية النفقات الأساسية للحكومة كدفع الرواتب، بل إن هذه النفقات يتم توفيرها من الموارد المحلية التي تحصلها الحكومة بالعملة الوطنية.

بالوهم والقبضة الأمنية 

وفسّر صالح تباين سعر الصرف ما بين مناطق مليشيا الحوثي، ذراع إيران في اليمن، والمحافظات المحررة، يأتي نتيجة اعتماد الحوثي على نظام سعر صرف ثابت بشكل غير معلن، وبناءً عليه يتم تحديد سعر الصرف من قبل مركزي صنعاء، ولا يتم السماح لآلية العرض والطلب في السوق بالتحكم بسعر الصرف، على عكس الحكومة الشرعية التي تعتمد نظام التعويم الحر في السوق المصرفية بناءً على توصيات صندوق النقد الدولي، وهذا يمنح آلية العرض والطلب في السوق المصرفية حق التحكم بسعر العملة.

الأمر الآخر أن مناطق الحوثيين تشهد شحة شديدة من الطبعة القديمة من العملة، وهذا يساعد على كبح عملية الطلب على النقد الأجنبي، ناهيك عن تدخل جماعة الحوثي بكبح الطلب من خلال تعزيز القبضة الأمنية على النشاط المصرفي.

الحوثي يرحل الأزمات إلى المناطق المحررة

إضافة إلى أن جميع البنوك والشركات التجارية ورجال الأعمال في صنعاء يعتمدون على السوق المصرفية في عدن والمحافظات المحررة من أجل توفير العملة الصعبة لتمويل الاستيراد اللازم من المواد الغذائية والاستهلاكية، وهذا يخلق عملية طلب واسعة على العملة الصعبة، في عدن وبقية المحافظات المجاورة، يقول الصحفي الاقتصادي وفيق السيد.

بمعنى آخر أن ذراع إيران تعمل على ترحيل الأزمات في النقد الأجنبي إلى مناطق الحكومة، وهذا يساعد على رفع وتيرة المضاربة وتدهور قيمة الريال من الطبعة الجديدة، مقابل بقاء سعر الريال القديم في صنعاء ثابتاً عند مستوى معين، لعدم وجود أي سوق مصرفية وفقاً لاقتصاد السوق الحر.

وأكد الصحفي وفيق صالح  أن هذا لا يعد استقراراً حقيقياً للعملة بمناطق الحوثيين، لأنه استقرار وهمي محكوم بالقبضة الأمنية وليس ناتجاً عن إصلاحات اقتصادية أو نقدية، كما تسبب الانقسام النقدي، وحظر الطبعة الجديدة من العملة في مناطق سيطرة الحوثيين، واستمرار البنك المركزي في صنعاء بممارسة مهامه كبنك مركزي، من خلال إصدار القرارات المصرفية، والتدخل في عمل البنوك والمصارف، في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بتكدّس السيولة من الطبعة الجديدة بالمناطق المحررة مقابل شحة شديدة من السيولة المحلية، والريال القديم في أسواق الصرف لدى الحوثيين. وهو ما لا يساعد في وجود أي عملية مضاربة بالعملة، ناهيك عن أزمة النقد الأجنبي الحادة، التي تعاني منها الأسواق المصرفية في صنعاء والمناطق المجاورة.

علاوة على أن أسعار السلع والمواد الغذائية تتضخم باستمرار في صنعاء وبقية المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، وترتفع يوماً بعد آخر في ظل ثبات وهمي للريال القديم، بمعنى أن هذا الاستقرار الوهمي لسعر الصرف لا ينعكس على مستوى أسعار الغذاء والخدمات.. بل على العكس، نجد أن الأوضاع المعيشية للمواطنين تتأزم بشكل متواصل، وخيارات العيش تضيق على المواطن، مع انعدام سُبل الكسب، وغياب فرص العمل وتوقف الرواتب، وهذا يؤكد أن استقرار سعر الصرف لدى الحوثيين هو عبارة عن بالونة منفوخة، لا تعبّر بالضرورة عن وجود عوامل وإجراءات حقيقية تتعلق بإصلاحات جادة في الجانب النقدي والمالي.

ويُعدُّ العمّال وأصحاب الأجور في القطاعين العام والخاص أكبر الخاسرين من الانهيار الكبير في سعر الصرف والتضخّم المُفرط الناجم عنه، الذي قضى على قدراتهم الشرائية، وجعل السواد الأعظم منهم تحت خطّ الفقر، لا سيّما مع الانهيار التامّ للخدمات العامّة الأساسية.